الإثنين , 18 ديسمبر 2017 - 29 ربيع الأول 1439 هـ

نتنياهو ... وصناعة "الغيتو" .

نتنياهو ... وصناعة "الغيتو" .

وكالات

بقلم/ هاني حبيب

لنتنياهو الفضل في اضطراري للعودة إلى أعمال مسرحية سابقة، خاصة تلك التي كتبها المسرحي الإسرائيلي يهوشوع سوبول (ترجمة أنطوان شلحت وتقديم وليد أبو بكر) الصادرة أواخر عام 2004، ذلك أن عنوان هذه المسرحية "غيتو" وهو ما خرج من تصريحات إبداعية من قبل رئيس الحكومة الإسرائيلية مؤخراً، حول إعداد خطة متعددة السنوات تفضي إلى إحاطة إسرائيل بالجدران والأسلاك الشائكة والأسوار، على طول حدود الدولة العبرية مع الأردن، كي تضاف إلى تلك التي أقامتها في الضفة الغربية والحدود مع مصر وقطاع غزة.


أما المسرحية التيي تتجاهل المسألة الفلسطينية، فإنها تنطوي على نقد ساخر لواقع اليهود الألمان قبل هجرتهم إلى أرض اللبن والعسل، أرض الميعاد "إسرائيل" وأساليبهم المعتمدة على الكذب والخداع، ويتهمهم بمساعدة النازية ويحملهم مسئولية المجازر التي ارتكبتها النازية بحقهم، بل إنه يشير إلى أن غالبية منهم كانت تتعاون مع النازية... هناك "غيتو" يقوده شرطي يهودي، يعيش اليهود فيه حياة قاسية، بمعزل عن غير اليهود، في هذا "الغيتو"، يتعاون اليهودي ضد اليهودي الآخر، مع النازي الألماني.. رغم ادعاء كل منهم أنه من سلالة القومية اليهودية...

 يطول الحديث في هذه المسرحية عن اليهودي المحتال والمخادع والغدار... المسرحية، بعيداً عما أراده المؤلف، يعيدنا إلى مسرحية شكسبير، تاجر البندقية، ذلك أن مدينة البندقية هي أوم ما شهد ولادة الغيتو اليهودي، عندما أجبرت سلطات المدينة اليهود على التجمع والسكن في حي واحد وحيد، وبينما كانت "البندقية" هي البداية، إلا أنه سرعان ما فعلت سلطات فرانكفورت وروما وبراع، غيتوات خاصة باليهود، وإذا كنا نبحث عن سؤال لماذا هذه الغيتوات في وقت مبكر – عام 1516 – فإن مسرحية سوبول، ترد بشكل غير مباشر على هذا التساؤل!

فإذا كان البعض قد اعتبر، دفاعاً عن اليهود في أوروبا، أن مسرحية شكسبير "تاجر البندقية" تناولت شخصية يهودية لا تعني تعميمها، فإن مسرحية سيبول، أكثر تعميماً ووضوحاً، حول مجتمع كامل، متعاون مع النازية، مخادع وكاذب وغدار، وليس مجرد فرد هنا وآخر هناك، إشارة إلى أن كاتب المسرحية لا يتمنى وصفه بالسامية، فهو يهودي ولد في فلسطين، وجامعي مثقف بحصوله على الدرجة الجامعية العليا في الفلسفة في جامعة السوربون بباريس.. إلا أن كوكبة مسرحياته الثلاث الأهم في أعماله، قد تشي بشيء من الغرابة، مسرحياته تلك بعناوين: نفس يهودي – فلسطينية – أغراض القدس، اقترابه من القضية الفلسطينية في هذه الأعمال، ربما تشوه صورته لدى اليمين الفاشي العنصري في إسرائيل.

أفلام سينيمائية عديدة تناولت موضوع الغيتو، وأهمها من وجهة نظري "عازف البيانو" وهو فيلم جميل أخاذ، هوليوودي بامتياز، ورواية محكمة وإخراج إبداعي، أحد أهم الأفلام الجدية والجديرة بالمشاهدة، لكنه فيلم مخادع أيضاً، يتحدث عن مقاومة اليهود للنازية، لكن مسرحية سيبول، التي سبقت الفيلم بسنوات، تشير إلى أن هذه المقارنة هي من صنع الساسة اليهود، يشكك بوجودها، بل إنه يحاول أن يجعل منها أداة نازية، سمحت لليهودي بالاعتراف على اليهودي الآخر، وسمحت لليهودي بقتل اليهودي الآخر.

وفي كل هذه الأعمال، وهي بعض من كل، سواء مسرحية سيبول، أو مسرحية شكسبير أو فيلم "عازف البيانو"، فإنها كلها لا تتحدث عن الغيتو الأخطر والأهم، الذي يحاول نتنياهو أن يبنيه ويعيد أمجاد الغيتو من جديد (!) إبداع نتنياهو في هذا الإطار يتجلى في أنه خلافاً للغيتو اليهودي التقليدي، فإنه يريد أن يصنع هذا الغيتو بنفسه ولنفسه، تلك الغيتوات فرضت على اليهود، أما نتنياهو، فيريد فرض هذا الغيتو على إسرائيل بإرادته!!

أقامت حكومات إسرائيل الأسوار والأسلاك الشائكة والجدران في الضفة الغربية، كما على الحدود مع مصر وقطاع غزة، ربما عقدة "الغيتو" كانت وراء "الوعي" الدفين، متوازياً مع قضايا الزمن والسياسة، محاولات تهدف في الأساس إلى خلق "غيتو عربي" يتداخل في إطار الدولة العبرية ومحيطها، إلا أن هذا "الغيتو" في الواقع كان "غيتو" إسرائيلي، فالمسألة هنا تتجاوز الشكل والواقع المشاهد.

 إسرائيل، رغم هذه الأسوار، وربما بسببها، هي التي تعيش في عزلة وغيتو، فرض الحصار على الفلسطينيين لم يسبب لهم "غيتو نفسي" فهم مازالوا أكثر إنسانية وعلاقتهم مع الآخر علاقة تسامح وحب ومودة، لا يعرفون الحقد والخداع والغدر، أكثر انفتاحاً على الأخر وتعاوناً معه، هذا هو الجانب الأهم عندما تتحدث عن حصار وغيتو، بعكس المجتمع الإسرائيلي، بهذه الأسوار وبرودتها، فإنه في الغالب الأعم، يعيش عزلته الخاصة، متكوماً حول يهوديته التي يريد لها أن تضع له قومية مصطنعة، متجمع يكره الآخر، كل الآخر، وليس الأمر وقفا على الفلسطيني، يتحرك بسهولة داخل إسرائيل وخارجها، عكس الفلسطيني، لكنه يتحرك بمعتزل نفسي، فهو يرى في الآخر، أي آخر، مجرد عدو، يتحرك بحذر وخوف لشعوره بأن الآخر يحتقره ويعرف خصائصه تلك التي يتحدث عنها سيبول في مسرحيته.

ولابد من إشارة سريعة في سياق قريب، فأوروبا التي صنعت غيتوات لليهود، هي الحليف السياسي للدولة العبرية، في وقت لم تفرض الدول العربية على يهودها العيش بمعتزلات، لكن ذلك تم في الغالب، برغبة اليهود أنفسهم بالعيش في أماكن مشتركة، اليهود العرب، بما فيهم اليهود الفلسطينيين، ظلوا جزءاً من الوطنية العربية، بينما كان ينظر إليهم في أوروبا، رغم تمتعهم بالجنسية، كالغرباء... هناك فرق، لا يمكن لحاقد مخادع كنتنياهو أن يكتشفه... حتى لو أراد!!!

Hanihabib272@hotmail.com

أضف تعليقك